ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

359

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

ولما كان الافتقار كالافتقار ، والغنى كالغنى قال رضي اللّه عنه شعر إلا أنه إشعار وتنبيه : فالكلّ مفتقر ما الكلّ مستغنى * هذا هو الحق قد قلناه لا تكنى فإن ذكرت غنيا لا افتقار به * فقد علمت الذي من قولنا تعيى الكلّ بالكلّ مربوط فليس له * عنه انفصال خذوا ما قلت عني قال تعالى : إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً [ طه : 35 ] . قال رضي اللّه عنه في الباب الموفي أربعمائة من « الفتوحات » : إنّه بنا عليم وبنا بصير ، فلو لم أكن بمن كان عليما بصيرا وأنا أعطيته العلم ؛ لأنّ العلم تابع المعلوم وأنا المعلوم ، كما هو أعطاني الوجود وأنا المعلوم المعدوم . قال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] فاللّه في هذه المعيّة ، يتبع العبد كان كما نحن نتبعه حيث ظهرنا بالحكم ونحن وقوف حتى يظهر أمر يعطي حكما خاصا في الوجود فنتبعه فيه فارتبطت الأمور والتفّت الساق بالساق ، وقد اعترف لي بذلك الساق حيث قسم الصلاة بيني وبينه على السواء ؛ لأنه علم أنّي له كما أنه لي . قال تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] فهو زينتي بهويته ، فهو سمعي وبصري من قرب النوافل وأنا زينته ، فظهر بي اقتداره ونفوذ أحكامه وسلطان مشيئته من قرب الفرائض ، فلو لم أكن لم تكن للملك زينة ، فلولاه لما كنا ولولا نحن ما كان ، فأبدانا وأخفى وأبدى هو وأخفانا فأظهرنا ليظهر هو سرارا ثم إعلانا ، كما نطلبه لوجود أعياننا بطلينا لوجود مظاهره فلا مظهر له إلا نحن ولا ظهور لنا إلا به . فيه عرفنا نفوسنا وعرفناه ، وبنا تتحقق عين ما يستحقه إلا له ، فالأمر متوقف على الأمرين فيه نحن وهو بنا بصيرا ؛ بل إن اللّه تعالى أطلع خواصّه على أنّ حاجة الأسماء إلى التأثير في أعيان الممكنات أعظم من حاجة الممكنات إلى ظهور الأثر ، وذلك ؛ لأن الأسماء لها في ظهور الآثار السلطان والعزة ، والممكنات قد يحصل فيها أثر فتضرّر به وهو على خطر ، فبقاؤها على حالة العدم أحبّ إليها لو خيّرت .